فخر الدين الرازي
211
تفسير الرازي
فإن قيل : هذه الآية تقتضي المنع من مصاحبة الكفار على الإطلاق ، وقال تعالى : * ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم . . . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم ) * ( الممتحنة : 8 ، 9 ) فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا : لا شك أن الخاص يقدم على العام . واعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذكر علة هذا النهي وهي أمور أحدها : قوله تعالى : * ( لا يألونكم خبالاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : يقال ( ألا ) في الأمر يألوا إذا قصر فيه ، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم : لا آلوك نصحاً ، ولا آلوك جهداً على التضمين ، والمعنى لا أمنعك نصحاً ولا أنقصك جهداً . المسألة الثانية : الخبال الفساد والنقصان ، وأنشدوا : لستم بيد إلا يداً أبدا مخبولة العضد أي فاسدة العضد منقوضتها ، ومنه قيل : رجل مخبول ومخبل ومختبل لمن كان ناقص العقل ، وقال تعالى : * ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) * ( التوبة : 47 ) أي فساداً وضرراً . المسألة الثالثة : قوله * ( لا يألونكم خبالا ) * أي لا يدعون جهدهم في مضرتكم وفسادكم ، يقال : ما ألوته نصحاً ، أي ما قصرت في نصيحته ، وما ألوته شراً مثله . المسألة الرابعة : انتصب الخبال بلا يألونكم لأنه يتعدى إلى مفعولين كما ذكرنا وإن شئت نصبته على المصدر ، لأن معنى قوله * ( لا يألونكم خبالا ) * لا يخبلونكم خبالا وثانيها : قوله تعالى : * ( ودوا ما عنتم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : يقال وددت كذا ، أي أحببته و ( العنت ) شدة الضرر والمشقة قال تعالى : * ( ولو شاء الله لأعنتكم ) * ( البقرة : 220 ) . المسألة الثانية : ما مصدرية كقوله * ( ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ) * ( غافر : 75 ) أي بفرحكم ومرحكم وكقوله * ( والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها ) * ( الشمس : 5 ، 6 ) أي بنائه إياها وطحيه إياها . المسألة الثالثة : تقدير الآية : أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر . المسألة الرابعة : قال الواحدي رحمه الله : لا محل لقوله * ( ودوا ما عنتم ) * لأنه استئناف بالجملة وقيل : إنه صفة لبطانة ، ولا يصح هذا لأن البطانة قد وصفت بقوله * ( لا يألونكم خبالا ) * فلو كان